صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

219

شرح أصول الكافي

والبرهان عليه : ان الأول تعالى عالم بذاته من غير تغاير بين ذاته وعلمه بذاته في الوجود الا بحسب المفهوم واعتبار المعتبرين ، وقد حكموا بانّ علمه تعالى بذاته علة علمه بالعقل الأول وبتوسطه بسائر المجعولات ، كما أن وجود ذاته علة لوجود العقل الأول وبتوسطه لسائر المجعولات . فإذا حكمت بكون العلتين ، اعني ذاته وعلمه بذاته ، شيئا واحدا بلا اختلاف الا في العبارة والمفهوم ، فاحكم بكون المعلولين أيضا ، اعني وجود العقل الأول وعلمه تعالى به ، شيئا واحدا من غير تغاير يقتضي كون أحدهما مباينا للأول والثاني متقررا فيه . فاذن وجود المعلول الأول هو نفس علمه تعالى به من غير صورة أخرى مستأنفة ، وهكذا الكلام في المعلول الثاني والثالث إلى تمام الجواهر العقلية التي هي كلمات اللّه التامّات التي وقعت الاستعاذة بها في الأدعية النبوية عن الشرور والآفات ، وهي عالم امر اللّه ، فهي بالحقيقة كلام اللّه الذي قال قوم : انه مقارعة وقعت بين العلم والقدرة ، لان تلك الكلمات كل منها علم وقدرة معا وبتوسطها يعلم سائر الأشياء ويوجد ، لان تلك الجواهر تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صور فيها ، وهي تعقل الأول وما يصدر عنه ، ولا موجود الا وهو مقدور مجعول للأول تعالى ، كأنّ جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما هو عليه الوجود حاصلة فيها ، وهي صورة القضاء الإلهي الذي ذكرنا في الحديث السابق ، فاللّه تعالى يعقل تلك الجواهر مع تلك الصور وكذلك الوجود على ما هو عليه ، فاذن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة . هذا ما ذكره المحقق الطوسي موافقا لمذهب الاشراقيين « 1 » ولا شك في صحته ، الا ان الاكتفاء في حق علم اللّه بهذا القدر تقصير وتفريط ، فأين علمه السابق على جميع الأشياء الذي هو من صفاته الكمالية ؟ واين عنايته تعالى بما سواه ؟ فاذن المصير إلى ما ذكرناه وإليه أشار بقوله عليه السلام : ما زال اللّه عالما تبارك وتعالى ، قولا مجملا للعلة التي ذكرناها ، وهي قصور الافهام عن درك علم اللّه بالأشياء قبل كونها .

--> ( 1 ) - هذا ملخص ما ذكره المحقق الطوسي في شرحه على النمط السابع من كتاب الإشارات مع تصرف فيها .